الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

34

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بتجسيم المجردات فيراهم من أكرمه اللّه برؤيتهم ، وإما بإراءة اللّه الناس ما ليس من شأنه أن يرى عادة . [ 10 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 10 ] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) عطف على أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [ الأنفال : 9 ] فالضمير المنصوب في قوله : جَعَلَهُ عائد إلى القول الذي تضمنه فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ [ الأنفال : 9 ] أي ما جعل جوابكم بهذا الكلام إلّا ليبشركم ، وإلّا فقد كان يكفيكم أن يضمن لكم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة . وفائدة التبشير بإمداد الملائكة أن يوم بدر كان في أول يوم لقي فيه المسلمون عدوا قويا وجيشا عديدا ، فبشرهم اللّه بكيفية النصر الذي ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة ، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات ، فالنصر معنى من المعاني يدق إدراكه وسكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم . وتقدم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران إلّا لتعرض لما بين الآيتين من اختلاف في ترتيب النظم وذلك في ثلاثة أمور : أحدها : أنه قال في آل عمران [ 126 ] : إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وحذف ( لكم ) هنا دفعا لتكرير لفظه لسبق كلمة لَكُمْ قريبا في قوله : فَاسْتَجابَ لَكُمْ [ الأنفال : 9 ] فعلم السامع أن البشرى لهم ، فأغنت لَكُمْ الأولى ، بلفظها ومعناها ، عن ذكر لَكُمْ مرة ثانية ، ولأن آية آل عمران سيقت مساق الامتنان والتذكير بنعمة النصر في حين القلة والضعف ، فكان تقييد بُشْرى بأنها لأجلهم زيادة في المنة أي : جعل اللّه ذلك بشرى لأجلكم كقوله تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] وأما آية الأنفال فهي مسوقة مساق العتاب على كراهية الخروج إلى بدر في أول الأمر ، وعلى اختيار أن تكون الطائفة التي تلاقيهم غير ذات الشوكة ، فجرد بُشْرى عن أن يعلق به لَكُمْ إذ كانت البشرى للنبي صلى اللّه عليه وسلم ومن لم يترددوا من المسلمين ، وقد تقدم ذلك في آل عمران . ثانيها : تقديم المجرور هنا في قوله : بِهِ قُلُوبُكُمْ وهو يفيد الاختصاص ، فيكون المعنى : ولتطمئن به قلوبكم لا بغيره ، وفي هذا الاختصاص تعريض بما اعتراهم من الوجل من الطائفة ذات الشوكة وقناعتهم بغنم العروض التي كانت مع العير ، فعرض لهم